الصالحي الشامي
377
سبل الهدى والرشاد
فرجعت ولم أقض شيئا . فلم يزل ذلك يتمادى بي حتى أسرعوا وتفارط الغزو . فهممت أن أرتحل فأدركهم ، فياليتني فعلت . ثم لم يقدر ذلك لي . فطفقت ، إذا خرجت في الناس ، بعد خروج رسول الله صلى الله عليه وسلم ، يحزنني أني لا أرى لي أسوة . إلا رجلا مغموصا عليه في النفاق . أو رجلا ممن عذر الله من الضعفاء . ولم يذكرني رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى بلغ تبوكا فقال وهو جالس في القوم بتبوك : " ما فعل كعب بن مالك ؟ " قال رجل من بني سلمة : يا رسول الله ! حبسه برداه والنظر في عطفيه . فقال له معاذ بن جبل : بئس ما قلت . والله ! يا رسول الله ! ما علمنا عليه إلا خيرا . فسكت رسول الله صلى الله عليه وسلم . فبينما هو على ذلك رأى رجلا مبيضا يزول به السراب فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " كن أبا خيثمة " فإذا هو أبو خيثمة الأنصاري . وهو الذي تصدق بصاع التمر حين لمزه المنافقون . فقال كعب بن مالك : فلما بلغني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد توجه قافلا من تبوك ، حضرني بثي . فطفقت أتذكر الكذب وأقول : بم أخرج من سخطه غدا ؟ وأستعين على ذلك كل ذي رأي من أهلي . فلما قيل لي : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أظل قادما ، زاح عني الباطل . حتى عرفت أني لن أنجو منه بشئ أبدا . فأجمعت صدقه . وصبح رسول الله صلى الله عليه وسلم قادما . وكان إذا قدم من سفر ، بدأ بالمسجد فركع فيه ركعتين ، ثم جلس للناس . فلما فعل ذلك جاءه المخلفون . فطفقوا يعتذرون إليه ، ويحلفون له وكانوا بضعة وثمانين رجلا . فقبل منهم رسول الله صلى الله عليه وسلم علانيتهم . وبايعهم واستغفر لهم . ووكل بضعة وثمانين رجلا . فقبل منهم رسول الله صلى الله عليه وسلم علانيتهم . وبايعهم واستغفر لهم . ووكل سرائرهم إلى الله . حتى جئت ، فلما سلمت ، تبسم تبسم المغضب ثم قال : " تعال " فجئت أمشي حتى جلست بين يديه . فقال لي " ما خلفك ؟ ألم تكن قد ابتعت ظهرك ؟ " قال قلت : يا رسول الله ! إني ، والله ! لو جلست عند غيرك من أهل الدنيا ، لرأيت أني سأخرج من سخطه بعذر . ولقد أعطيت جدلا . ولكني ، والله ! لقد علمت ، لئن حدثتك اليوم حديث كذب ترضى به عني ، ليوشكن الله أن يسخطك علي . ولئن حدثتك حديث صدق تجد علي فيه ، إني لأرجو فيه عقبى الله . والله ! ما كان لي غدر . والله ! ما كنت قط أقوى ولا أيسر مني حين تخلفت عنك . قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " أما هذا ، فقد صدق . فقم حتى يقضي الله فيك " فقمت . وثار رجال من بني سلمة فاتبعوني . فقالوا لي : والله ! ما علمناك أذنبت ذنبا قبل هذا . لقد عجزت في أن لا تكون اعتذرت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، بما اعتذر به إليه المخلفون . فقد كان كافيك ذنبك ، استغفار رسول الله صلى الله عليه وسلم لك . قال : فوالله ! ما زالوا يؤنبونني حتى أردت أن أرجع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم . فأكذب نفسي . قال ثم قلت لهم : هل لقي هذا معي من أحد ؟ قالوا : نعم . لقيه معك رجلان . قالا مثل ما قلت . فقيل لهما مثل ما قيل لك . قال قلت : من هما ؟ قالوا : مرارة بن ربيعة العامري ، وهلال بن أمية